الشيخ محمد الصادقي
303
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
84 - إِنَّا مَكَّنَّا بجمعية الصفات الرحيمية " مَكَّنَّا " لَهُ فِي الْأَرْضِ مكنة ومكانة سلطوية خاصة وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ممكن في الحكمة الربانية سَبَباً وسيلة وصيلة ، فقد ذلت له الصعاب واستسلمت له البلاد ، فهذه الأسباب هي ربانية فقط لا تحصل بمحاولات خلقية . 85 - فَأَتْبَعَ أسرع في اللحوق كما يصح سَبَباً من هذه الأسباب وهو سب السير السريع الخارق للعادة . 86 - حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وهو المغرب الأقصى إذ كان هو من الشرقيين وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ لا غروبا لها واقعيا فيها ، بل بوجدانه إياها فيها كما يتراءى في المنظر بالمحيط البحري الأطلانطيقي وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً من الناس قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ هم وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً من الواجهة لعلهم ينتهون وقد كان هذا تخييرا سلطويا ربانيا ولذلك أجاب ربه : 87 - قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ منهم دون توبة وأوبة ، مصرّا على ظلمه فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ هنا ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ بعد موته فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً ما كان معروفا هنا . 88 - وَأَمَّا مَنْ آمَنَ منذ بداية تكليفه أو سيؤمن تائبا عما عصى وَعَمِلَ صالِحاً لإيمانه الصالح فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى عند اللّه هي الحياة الحسنى ، والثواب الأحسن مما أثاب فأصاب وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا فعلنا يُسْراً . 89 - ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً آخر من الأسباب الربانية بسرعة ولباقة ، وهو سبب لسرعة السير أسرع من الأول حيث يسير من أقصى الآفاق الغربية إلى أقصاها الشرقية . 90 - حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ نسبة إلى الرائين الأرضيين ، فإن لها دوما مشرق ومشرق ، ومغرب ومغرب وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً لا خلقيا ولا صناعيا ، وهنا ينقطع خبر العذاب والحسن وعلّه لأنهم كانوا قوما بلها بدائيين لم يكلفوا كسائر المكلفين . 91 - كَذلِكَ الأمر في مكنته الأرضية ، وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً . 92 - ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ثالثا ، هو غير الأولين ، مهما كان من أسباب السير ، وقد يكون لاختلاف السير أو السرعة أو هما معا ، وإلا لكان يكفي سبب واحد إذا كان السير مثل بعض البعض . 93 - حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ومهما لا نعرفه بالضبط ولكنه معروف أنه بين أقصى المشرق والمغرب ، ولو كان أحدهما لم يحتج إلى سبب ثالث ليبلغه به ، وهما حاجزان خلقيان من جبال أو أتلال منهما فتحة ممرّ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً يختلفون عن الأولين ، إذ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا إنسانيا ، لا تكلما ولا تفهما ، مهما كانوا يقدرون على ساذج قول . 94 - قالُوا قولة غير فقيهة يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فصلنا البحث عنهما في " الفرقان " من أنهما علّهما " كوك وماكوك " أمن ذا مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وراء السدين فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً لتكاليف السد بين السدين عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا مصدا عن إفسادهم . 95 - قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ مما تجعلون لي خرجا فَأَعِينُونِي فقط بِقُوَّةٍ بدنية أَجْعَلْ بها وبما مكني ربي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً يسد الثلمة بين السدين ، وهو ردم الممر بينهما فلا يسطاعوا أن يظهروه لإرتفاعه ولا أن ينقبوه لحدته . 96 - آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ وهي قطع كبيرة حَتَّى إِذا ساوى بها بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ : الجانبين الصلبين من السدين قالَ انْفُخُوا على نار فيها حَتَّى إِذا جَعَلَهُ المساوي بينهما ناراً كلّه كوحدة صارمة قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً نحاسا مذابا يتخلل الحديد النار . 97 - فَمَا اسْطاعُوا يأجوج ومأجوج أَنْ يَظْهَرُوهُ علما ولا قوة وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً حتى يمروا مما بين السدين بعد النقب .